نعيبُ زماننا و العيبُ فينا, و ما لرماننا عيبٌ سوانا

نعيبُ زماننا و العيبُ فينا … و ما لزماننا عيبٌ سوانا
و نهجوا ذا الزمانِ يغير ذنبٍ … و لو نطقَ الزمانُ لنا هجانا
و ليس الذئبُ يأكلُ لحم ذئبٍ … و يأكلُ بعضنا بعضاً عيانا

أفتتح تدوينتي بهذه الأبيات الرائعة، التي تُلخّص محتوى تدوينتي، و أعتقد أنها كافية لتُعبّر عن ما في داخلي. ما أُريد الحديث عنه هو مُجتمعنا العربي، بإحدى ظواهره و مساؤءه، التي أعتقد أنها من أسباب تخلفنا و جهلنا.

قبل أن تُطالبوا، إبدأو بأنفسكم

إعتدنا في مُجتمعنا العربي أن نتحدث عن كل شيء، و كأننا خُبراء في كُل شيء، فإذا صدر قرار جديد، تجد كل الدنيا تتحدث فيه وتُناقش، والناس من المُثقّف إلى الجاهل تُناقشك فيه، فتركب مع سائق تكسي، يبدأ بالحديث عن القرار وأنه خاطىء ويشرح لك وجهة نظره الخاصة، أو تذهب إلى بائع مأكولات، فيبدأ معك نفس الحديث ويطرح لك وجهة نظره الخاصة بالموضوع، وتخرج أنت مع أصدقائك، فتبدأ بالحديث عن هذا الموضوع من وجهة نظرك الخاصة، و الغريب اننا عندما نبدأ الحديث نقول أن القرار خاطىء، و من ثم نُناقش! نعم عزيري القارىء لا تستغرب من الأمر، فالعيب موجود فينا جميعاً، وعلى سبيل المثال سآخذ قرار تركيب رادارات (كاميرات مُراقبة سرعة) على الطرق العامة، فيأتيك سائق التكسي يقول لك، هذه الدولة تُريد أن تنهش عظامنا، وهذه الكاميرات لا فائدة منها، وكأنه آينشتاين زمانه، و السبب من وجهة نظره أن الإزدحام زاد و …. إلخ، يأتيك شاب مثلاً يقول لك من وجهة نظره أن الكاميرات هذه لعنة من الله، فمن وجهة نظره القيادة على الطرق السريعة هي مُتعة، و أن الطريق السريع من وجهة نظره هو حلبة سباق ليختبر قُدارت سيارته، و هكذا أخوتي، كل شخص يتكلم من وجهة نظره وهذا ليس عيباً و لكن المُشكلة أننا عندما نبدأ، نبدأ الحديث بكلمة أنّ هذا الشيء خاطىء! عندما نبني حديثنا من البداية على أنّ الشيء هو خاطىء فهذا يعني أنّ وجهة نظرنا هي الصحيحة و هكذا! كل شخص يعتقد أنه على صواب وليس مُخطىء، لو أن كل سائق إحترم النظام وتقيد بالخط الذي يمشي عليه واحترم غيره سواءً كان من السائقين أو المُشاة، لما وصلنا إلى هُنا، ولكن يأتيك سائق باص صغير (ميكرو) يضع يده على الزمور و يسير! والغريب أنه يمشي بسرعة لاتقل عن 80 كم/الساعة، على الرغم من أنه يحمل 10 أرواح معه! فبالله عليكم آلا نحتاج كاميرات لضبط السرعة في هذه الحالة؟

مثال آخر، في الرياضة، كُلنا في سوريا نُعاني من أنّ الرياضة مُتخلفة، وليس هُناك مُستقبل للرياضي، والسبب في ذلك تقصير الدولة كما يقول البعض، بالله عليكم، هل من الممكن أن تُفكروا قليلاً قبل أن تقولوا هذا الكلام؟ من منا لم يُشاهد مُباراة في كرة القدم بين فريق مثلأ الجيش و الوحدة؟ بالله عليكم عندما يخسر أحد الفريقين، ماهو سلوك جماهير الفريق الخاسر؟ تبدأ بالشتائم و الإشتباك مع جماهير الفريق الخصم، و تكسير المقاعد في الملعب، وهذا كله بسبب ماذا؟ مُباراة التي هي في الأساس سبب من أجل الترفيه عن النفس و التخلّص من التوتر، فقل لي عزيزي القارى، ما الذي يدفع الدولة لتطوير الرياضة عندما ترى جمهور همجي، لايتقبل الهزيمة، وليس فيه أي روح من العدل، و يُنزل لك فريقه من السماء، وليست عنده القدرة على الفرح للطرف الآخر أو تقبُّل الآخر؟

مثال آخر، نجد في هذه الأيام أن الأماكن المُعتمة و المٌخبئة مليئة بالشباب والبنات! يعني تجد أن الشاب وصديقته يخرجون لمكان بعيد عن عيون الناس ليتقابلوا هُناك! الأمر من الأساس خاطىء، ولكن دعونا ننسى أنه خاطىء بحكم التقاليد ونتحدث على أنه صحيح، لماذا يجلس الشاب مع صديقته في أماكن مُخبئة؟ بعضهم يجلس هُناك لأغراض في باله، وهذه الفئة أستثنيها من حديثي، ألم نصل إلى هذه المرحلة بسبب حديث الناس؟ نعم! تجد مثلاً فلان تحدث في الموضوع على الرغم من  أنه لايعرف أيّاً من الطرفين ولكنه سمع الحديث من أصدقاءه، وبما أننا شعب فارغ! نشغل أنفسنا بالكلام عن الغير، وننسى أنفسنا! فعلى الرغم من أن الشخص نفسه الذي يتحدث في الموضوع يقوم بنفس الشيء! ولكنه لا يرى نفسه، ولاحتى يُحاسب نفسه قبل أن يتكلم على فلان و فلانة، وفي النهاية تجد القصة في كل مكان مُنتشرة، فقُولوا لي، ألم نصل إلى هذه المرحلة بسبب كلام الناس! نعم الساكت عن الحق شيطانٌ أخرس، ولكن الحق في أن يبدأ كل شخص من نفسه ومن ثم ينظر إلى غيره، لا أن يفعل العكس، فينظر إلى غيره ومن ثم ينظر إلى نفسه! على الرغم من أني على ثقة تامة أنه سيبقى ينظر إلى غيره ولن ينظر إلى نفسه لأننا تعودنا أن نكون هكذا، أنا أرى نفسي أن فوق الجميع و الجميع عبيد تحتي! نعم هذا نحن في المُجتمع العربي، أي إنسان يتحدث عن شيء نجعله تافه، وفكرته تافه وأحياناً نتهمه بالسرقة والكذب، و المشكلة تجدنا جالسين نتحدث فقط! يعني لو على الأقل كُنا نُنتج شيء نقول لا مُشكلة، ولكن تجدنا جالسين نتحدث نتحدث نتحدث،وكأننا مفوضون من عند الله للحديث في كل شيء، فتجد المواطن العربي يتحدث في كل شيء، ويجادلك و يناقشك! ففي أمور البورصة يتحدث، وفي أمور الدولة يتحدث، وفي أمور الدين يُفتي من عنده، وفي كل شيء!

خُلاصة حديثي هي أنه يجب علينا أن نصحوا من غفوتنا، فليُركز كُل شخص منا في نفسه، نعم! إنسى الغير و فكّر في نفسك، من كل النواحي، تعلّم تقبل الآخرين، أياً كانوا، ولا أقول لك أحبهم! أقول لك تقبّلهم فقط، اسمعهم، أنت أيها الأب اسمع ابنك الصغير، ناقش معه، دعه يشعر أنك صديقه وليس ابوه فقط، وأنتِ أيتها الأم، اسمعي ابنتك، ناقشيها، حاسبيها على الغلط ولكن أثني عليها عند الصواب، لأن كل شيء سينعكس معها في هذه الدنيا وستُعامل الناس والمُجتمع كما تمت تربيها، صدقوني مُجتمعنا بحاجة إلى أطباء نفسيين! وليس عيباً أن يكون لك طبيب نفسي، ولكن في مُجتمعنا كلمة طبيب نفسي تعني جنون! نعم، فلان يذهب إلى طبيب نفسي، ياويلتاه ! وكأنه هو من سلّم القدس لليهود! صدقوني نتكلم عن شخص يزور طبيب نفسي وننهش في عظمه ونبدأ بالفرضيات التي تنتقل من شخص لآخر لتُصبح حقائق، وننسى أنفسنا، أنه فينا العديد من المشاكل النفسية التي نخاف مواجهتها ونبقى نقول نحن تامي الخلق و نكاد نكفر ونقول كاملين و نسينا أن الكمال لله وحده.
لذا دعونا نتقبّل الآخر، نحترم وجهاة النظر، نحترم أي قرار يصدر، نتقبل وجود من هو أعرف منا وأفهم، وليست الدنيا كل شيء، فالطبيب يختص بشيء ومن المفروض أن يتحدث في كل شيء ضمن إختصاصه ولا يتعدى على إختصاص الغير، فصدقوني، لو إعتبرنا أن هذه الدنيا هي طب، و مجالاتها هي الإختصاصات، فدعونا نتكلم كل واحد فينا في إختصاصه ولا يتعدى على إختصاص غيره، ويحترم إختصاصات الغير ويتقبل سماعهم، لأنه لو كان مُجتمعنا هكذا، وكل إنسان عليه من نفسه، لما كنا وصلنا إلى هذه المرحلة، وصلنا إلى هنا لأننا لا نُركز في أنفسنا فقط، بل ننسى أنفسنا ونُركز في الآخرين، وهكذا لن نفهم أنفسنا، وسنبقى كما نحن! واقفين في مكاننا.

أعتذر على الإطالة وكل عام وأنتم بخير