مُجتمعنا و العقد النفسية

قبل إسبوع من اليوم كُنت في حوار مع إحدى مُعلماتي و بدء الحوار بسؤالٍ منها عن سبب تصرّف طلاب الصف الأول الثانوي بهذه الطريقة و العدائية مع مُعلميهم , فكرت حينها للحظة و راجعت نفسي عندما كُنت في هذا السن , كيف كُنت أتصرف و كيف كان من حولي يتصرفون , في البداية أجبتها بإن الصف الأول الثانوي يأتي بعد شهادة إعدادية و دراسة و تركيز وضغط نفسي إضافةً إلى أنها مرحلة مُعقدة جداً حيث يدرس الطالب المواد الأدبية و العلمية و من ثم يختار أي فرع يُريده (هكذا في سوريا) , فقالت لي ليس هذا هو السبب هُناك أسباب أُخرى , لأن الطالب عندما تُعامله بشكلٍ لطيف تجده قد إستجاب معك و هدّء من روعه , فكرت مرة ثانية و أجبتها من جديد , قُلت لها في الحقيقة الطالب في هذا السن لا يُفكّر كثيراً بما يقوم به  لأنها مرحلة عمرية يمر فيها أي إنسان و يكون إندفاعه للأمام , دون النظر خلفه و ردات فعله العدائية تجاه أساتذته نابعة من عقدة داخلية بسبب مُعاملة الأساتذة للطُلاب , فالأساتذة غالباً ما يعاملون الطالب بقسوة ظناً منهم أنها الطريقة المُثلى لبناء جيل سليم و قوي و قادر على المُتابعة في هذه الحياة و لكنهم مُتناسين أنه لكل فعل ردة فعل ! يساويه بالشدة و يُعاكسه بالإتجاه , فلهذا نجد أن الطلاب في هذه المرحلة دائماً ما يكونوا عدائيين تجاه أي شخص و بالأخص الأساتذة و حتى أهلهم و أصدقائهم و لكن هذه العدائية ناتجة عن عقدة في داخلهم بسبب قسوة تعرضوا لها من أهلهم أو من أساتذتهم , أنا لا أقول أن لا يقسوا الآباء على أولادهم ولا الأساتذة على طُلابهم و لكن يجب أن تكون هذه القسوة مدروسة و دون مُبالغة , لأنك كُلما ما بالغت , ستفقد هذا الإنسان .

لنأخذ مثالأً بعيداً عن الطلاب و سن المراهقة لأنه مُعقد قليلاً و لنتجه لمثال في العمل , شرطة المرور :) (هدء من روعك و لا تشتمهم ) , كُلنا نعلم كيف يُعامل شرطة المرور المواطنين و كيف يتحدثون معهم بلهجةٍ فوقية و كيف يتبلون في بعض الأحيان و كيف يقسون على المواطن و لا يتراجعون عن كتابة المخالفة مهما كانت بسيطة !! طبعاً المُخالفة مُخالفة مهما صغرت و لكن أحياناً قد تضطر للوقوف على يمين الطريق لكي تُجيب على مكالمة هاتفية و على الرغم من أنك قد أشعلت الأضواء الجانبية إلا أنهم يكتبون مُخالفة بحقك ! مع أنهم حين يوقفونك لأنك تتحدث على الهاتف يقول لك الشرطي , قف على اليمين و تحدث لا أحد يمنعك ! :) , المهم ! طريقة حديث شرطي المرور مع المواطن ماهي إلا عقدة نفسية و سأقول لكم كيف استنتجت هذا , في إحدى المرات كُنت قد ركنت سيارتي بشكل نظامي و نزلت أنا و أصدقائي ننتظر قدوم أحد أصدقائنا , فمر شرطي تلك المنطقة و سلمنا عليه فدار حوارٌ بيننا و بينه , قُلنا له لماذا تمنعون وقوف رتلٍ ثانٍ هُنا و لو لدقائق معدودة ؟ فأجابنا : لو مرّ أي عقيدٍ في سيارته فأنا وحدي من سأوَّبخ ! علمنا حينها أن المشكلة ليست منه ! و أيضاً تكرر هذا الموقف مرةً ثانية مع شرطي آخر و سؤال آخر و لكن الإجابة كانت نفسها ! لو مر أي عقيدٍ في سيارته فأنا وحدي من سأوَّبخ ! فكرت حينها أن طريقة تعامل مرؤسيهم هي التي جعلتهم يُعاملون المواطن هكذا و في هذه الطريقة ! إذاً في النهاية هي عقدة نفسية ! قد يختلف معي الكثير و لكن فكروا معي ! في أوروبا ألا نجدهم نظاميين ؟ و لكن طريقة تعاملهم جميلة جداً و السبب في ذلك أن كله يحترم كله و يتعامل معه على أساس الثقة فيما يقوم به .

و في مثال آخر العائلة,هذا المثال من عائلة حقيقة عشت بينها لفترة من الزمن  , نعلم جميعنا طيبة قلب الأُم تجاه أولادها وحنانها , و لكنها توّبخ أولادها لأي سبب كان , حتى لوكان السبب كسر كأس ماء ! و السبب في ذلك طريقة تعامل الأب معها ومع أولادها , فالأب عصبي المزاج دائماً و أيضاً يوّبخ دائماً , فمثلاً أمسكت إبنته في إحدى المرات لمبة ضوئية فوّبخها لأنها مسكتها :) على الرغم من أن الفتاة كبيرة و واعية و اللمبة جديدة و في علبتها ! و لن يمسها أي ضرر لو مسكها أحدهم , الأُم ذاتها عندما تكون بعيدة عن المنزل أي متواجدة مع اولادها في مكان ثاني , تجدها أهدء و طريقة تعاملها تختلف كثيراً فتجدها هادئة و مسايرة على عكس أسلوبها في التعامل في المنزل ! و السبب في ذلك طريقة تعامل الأب معها و من ثم انعكس ذلك على طريقة تعاملها مع الأولاد .

فلو نظرنا للأمثلة فوق نجد أن السبب هو أسلوب التعامل , فلنُمثّل العلاقة بالهرم فمثلاً لو شبهنا الأستاذ في المدرسة بالهرم و الطلاب تحته , فلو تعامل الأستاذ بشكل سليم مع الطلاب تختلف طريقة تعاملهم مع غيرهم و مع الأساتذة و نفس الشيء بالنسبة للأُسرة, فلو شبهناها  بالهرم نجد الأب هو رأس الهرام و الأم مثلاً تليه و الأولاد يلوهم و هكذا , فلو تعامل رأس الهرم بشكل سليم , سنجد من تحته يتعاملون بشكل سليم و مع الجميع و نفس الحال لو شبهنا عقيد الشرطة برأس الهرم و من ثم يليه من هم أصغر منه رتبة , فلو تعامل رأس الهرم بشكل جيد سيكون تعامل من يليه في الهرم سليم 100% , فلماذا لا يعتبر كلٌ منا نفسه أنه رأس الهرم و يُعامل من يليه بشكل جيد و بإسلوب لبق , بعيدٍ عن التعالي و التكبر و كله حُب و ثقة , أعلم أن الناس في هذا الوقت لا يستحقون التعامل بشكل جيد و لكن كما يُقال في العامية ((إعمل خيراً و إرمه في البحر )) !

دُمتم بوّد .

تحياتي
فراس